"التجربة الديمقراطية في البحرين : دراسة في عقبات التحول الديمقراطي (1999-2004)"

عاطف سمير فهمي إمام القاهرة الاقتصاد والعلوم السياسية العلوم السياسية ماجستير 2009

 "دخلت البحرين في انفراجة سياسية وديمقراطية مع مجيء حمد بن عيسى آل خليفة إلى الحكم في مارس 1999م .وذلك بعد أن شهدت الحياة السياسية منذ الاستقلال (1971) سنتين فقط من العمل البرلماني (1973-1975) وحوالي ربع قرن من تعطيل العمل بالدستور والبرلمان.

بادر الحاكم الجديد بطرح حزمة من الإصلاحات الديمقراطية سعت لخلق شرعية سياسية جديدة . بحيث تكفل الاستقرار السياسي وتُنهي التوتر الشديد الذي غلب على العلاقة بين الحكم والمعارضة في الفترة السابقة على حكمه . فأفرج عن المعتقلين السياسيين . وسمح بعودة المبعدين والمنفيين خارج البلاد .وطرح للاستفتاء الشعبي  عام 2001م وثيقة سياسية عرفت بميثاق العمل الوطني حازت على ما يشبه الإجماع الوطني  ; حيث وافق عليها 98.4% من المصوتين . فكانت بذلك بمثابة ""عقد اجتماعي"" نص على العودة للعمل بالدستور والبرلمان ، وتحويل البحرين لمملكة دستورية .

غير أن هذا ""الإجماع"" ما لبث في العام التالي مباشرة - 2002 - أن تحول إلى افتراق وصراع بين القوى الأساسية في الدولة.وذلك على إثر  إقدام الحُكم على اجراء تعديلات على دستور 1973م . إذ أن المعارضة لم تعترف بشرعية تلك التعديلات (دستور2002) واعتبرتها تراجعاً عن تعهدات الإصلاح ونكوصاً عن المكتسبات الواردة في الميثاق والدستور . ثم قاطعت قواها الأساسية (جمعيات التحالف الرباعي) الانتخابات النيابية التي جرت عام 2002  لتعود البحرين مجددا إلى التأزم السياسي والأمني.

هذا الافتراق ليس جديداً على الساحة البحرينية ; فالبلد الذي يبلغ عدد مواطنيه حوالي 529.446 ألف نسمة فقط ( ) تتنازعه انقسامات سياسية وطائفية جعلته يظهر كـ ""فسيفساء""  تحتوي على عدد كبيرمن الأطياف الأيدولوجية والمذهبية  . خاصة بعد حل البرلمان 1975 ، وقيام الثورة الإسلامية في ايران 1979م .

فالخارطة السياسية تتوزع بين نظام حكم وراثي في أسرة آل خليفة ، ومجتمع ينقسم بين أغلبية شيعية  وأقلية سنية (وفقا للاحصاءات التقديرية في هذا الصدد) ( ) ، وأتباع مذاهب وديانات محدودة العدد والتأثير كالبهائية والمسيحية واليهودية  ، وتيارات أخرى قومية ويسارية وليبرالية .

والطائفة الشيعية الإمامية التي تأثرت كثيراً بالثورة الإيرانية 1979 يتنازعها تنظيمان أساسيان ؛ جمعية الوفاق الوطني الإسلامية التي تمثل أغلبية التيار الشيعي وتعتنق نظرية ولاية الفقيه ، وتدين بالولاء المرجعي للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في ايران . وجمعية العمل الإسلامي التي تمثل التيار الشيرازي ، وتتنافس مع جمعية الوفاق على تمثيل الطائفة رغم أنها تتحالف معها في قضايا أساسية.

أما الطائفة السنية فتتوزع على تيارات أهمها الإخوان المسلمون ، التيار السلفي،  التيار الصوفي  و التيار القومي الإسلامي . غير أن جمعية المنبر الوطني الإسلامي التي تمثل الإخوان ، وجمعية الأصالة الإسلامية التي تمثل التيار السلفي ، يعدان أهم القوى الدينية/السياسية في الطائفة وأكثرها جماهيرية . ويتحالفان مع الحكم مخافة من التيار الشيعي وتنفيذا لمبدأ ""إطاعة أولي الأمر""( ).

وبجوار تلك التنظيمات الدينية المسيطرة في الطائفتين توجد كيانات علمانية تنادي بفصل الدين عن الدولة وتحكيم اعتبارات المواطنة بدلاً من الاعتبارات الدينية. والمفارقة أن أهمها (جعية العمل الوطني الديمقراطي ) تتحالف مع التنظيمات الشيعية التي تؤمن بولاية الفقيه ( ) .

وعليه  فإن البحرين تظهر كحالة خاصة داخل بلدان الخليج العربية ; فرغم أن نظامها السياسي تحكمه أسرة آل خليفة بحق التوارث مثل باقي الأسر الخليجية الحاكمة إلا أنها تواجه معارضة دينية شيعية نشطة تعتنق نظرية ولاية الفقيه وتطالب المؤسسة الحاكمة بتقليص صلاحياتها وحصرها في حدود رمزية . وهو الأمر الذي أنتج خلافات ثنائية واسعة حول معنى الاصلاح المطلوب ، وطبيعة النظام  السياسي ، ومضمون التحول الديمقراطي .

 

أولاً - إشكالية الدراسة

رغم أن عملية التحول الديمقراطي في البحرين قد بدأت تقريباً في عام 1999 وتصاعد التأييد الشعبي لها عام 2001 حين وافق الشعب البحريني بنسبة 98.4% على ميثاق العمل الوطني . إلا أنه في العام التالي -2002- مباشرة قاطعت المعارضة الانتخابات النيابية ولم تعترف بشرعية التعديلات الدستورية التي قام بها الحكم في نفس العام (دستور2002). ورغم أنها عادت بعد أربع سنوات لتشارك في الانتخابات النيابية التي جرت في أكتوبر من عام 2006 إلا أنها أصرت على أنها ماتزال غير معترفة بشرعية دستور 2002.

لذا فإن إشكالية الدراسة تتمثل في محاولة التعرف على أهم العوائق التي تضعها كلا من السلطة السياسية ، المعارضة الشيعية  والجمعيات الدينية السنية وأدت إلى تعثر عملية التحول الديمقراطي البحريني على النمط الغربي .وذلك بالنظر إلى أن تجربة التحول إلى الديمقراطية في البحرين قد شهدت تعثرا بعد أقل من ثلاث سنوات فقط على تدشينها . ومن ثم فإن التساؤل الرئيسي هو  :

ما هي أهم عوائق التحول الديمقراطي على النمط الغربي في البحرين ؟( )

ثانياً - التساؤلات الفرعية

1-      ما هي العوامل التي دفعت السلطة إلى القيام بعملية التحول الديمقراطي ؟.

2-      ما هي مؤشرات عملية التحول الديمقراطي ؟ .

3-      لماذا تعثرت تجربة التحول إلى الديمقراطية بعد سنوات قليلة من بدايتها؟ .

4-      ما هو دور السلطة السياسية في تعثر التحول الديمقراطي ؟

5-      ما هو دور المعارضة الشيعية في تعثر التحول الديمقراطي ؟

6-      ما هو دور التنظيمات السنية في تعثر التحول الديمقراطي ؟

7-      ما هو أثر الإنقسام القبلي/الطائفي في المجتمع على التحول الديمقراطي؟.

 

ثالثاً -أهمية الدراسة :

تنبع أهمية الدراسة مما يلي :

1- توجد قلة في الدراسات التي تتعامل مع تجارب التحول الديمقراطي أو عمليات التغير السياسي في النظم السياسية الخليجية بشكل عام ، والنظام السياسي البحريني بشكل خاص . خاصة بعد ""تعثر"" منظور الدولة الريعية وعدم كفايته لتفسير طبيعة بعض ""التحولات"" السياسية التي طالت بعض النظم الخليجية . ويعاد بناءاً عليها اهتزاز النمط الراكد والتقليدي للعلاقة بين الدولة والمجتمع في ظل الطبيعة الريعية والقبلية/الطائفية للنظام السياسي.

ولقد واجه الباحث صعوبات في العثور على دراسات ومراجع كافية تتناول التحول الديمقراطي البحريني بشكل شامل وخلال فترة الدراسة بشكل خاص  .أو تتناول تحليل سلوك المعارضة ، وليس فقط سلوك الحكم ، ودوره في عرقلة عملية التحول الديمقراطي. لهذا استعان الباحث في بعض الأحيان بالصحف والمواقع الإلكترونية الرسمية للقوى السياسية البحرينية لرصد الأحداث والتطورات المهمة في البحث بهدف الوقوف عليها واستنباط أحكام تحليلية منها  .

2- ضرورة التعرض بالدرس والتحليل لعمليات التحول السياسي في البلدان العربية ; عمليات التحول والتغير في البنى والقيم السياسية. ولا جدال في أن دراسة التحول الديمقراطي يعد قضية كبرى جديرة بالاهتمام البحثي في ظل ""الموجة العالمية"" للديمقراطية التي تضرب العالم النامي منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة . إذ أن الدول العربية لم تكن استثناءاً رغم الاختلاف البيَّن في ""عُمق"" هذه التحولات مقارنة بدول أخرى مثل شرق أوربا و أمريكا اللاتينية . حيث توجد ""تغيرات"" تتم بالفعل في سياق قضايا الإصلاح السياسي وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع في العالم العربي.

 

رابعاً - اقتراب الدراسة

تستعين الدراسة باقتراب تحليل النظم system theory  لديفيد ايستون ( ). ويفترض هذا الاقتراب أن النظام السياسي عبارة عن شبكة من التفاعالات السياسية political interactions   في بيئة أو محيط مادي وغير مادي يؤثر فيه ويتأثر به .  أو ما يعرف بـ الاعتماد المتبادل . فالنظام السياسي وفقاً لهذا الاقتراب عبارة عن التفاعلات التي تتعلق بالتخصيص السلطوي للقيم في المجتمع . أي بتوزيع الموارد بموجب قرارات ملزمة للأفراد .

والنظام السياسي هنا يعرف بأنه دائرة متكاملة ذات طابع ديناميكي تبدأ بالمدخلات inputs  وتنتهي بالمخرجات outputs  من خلال قيام عملية التغذية الاسترجاعية feedback بالربط بين المدخلات والمخرجات . فالمدخلات تشير إلى تأثيرات البيئة على النظام السياسي . وتنقسم إلى المطالب Demands  والمساندة Support  .ويقصد بالمطالب ما تريده البيئة من النظام بحيث يتعين عليه في سبيل الحفاظ على وجوده أن يستقبل المطالب ويستجيب لها بشكل مرض من وجهة نظر أصحابها . وفي نفس الوقت تقدم إلى النظام تأييداً مادياً ومعنوياً يساعده على الاستجابة بنجاح للمطالب . أما المخرجات فيقصد بها تأثيرات النظام على البيئة . وهي بمثابة القرارات والسياسات التي يتخذها النظام لمواجهة المطالب .

أما التغذية الاسترجاعية فهي عملية تدفق المعلومات إلى النظام عن نتائج أفعاله المتمثلة في نتائج قراراته وسياساته . وهذه النتائج تولد مدخلات جديدة في صورة مطلب أو تأييد . وتكفل التغذية الاسترجاعية للنظام نوعاً من الدينامية والحركية .

 

- تطبيق الاقتراب على الدراسة :

مادام النظام السياسي البحريني وفقاً لاقتراب الدراسة عبارة عن  دائرة متكاملة ذات طابع ديناميكي تبدأ بالمدخلات input  وتنتهي بالمخرجات outputs  من خلال قيام عملية التغذية الاسترجاعية feedback بالربط بين المدخلات والمخرجات .وتتمثل المدخلات الأساسية في تأثيرات البيئة (المحلية والإقليمية والدولية) التي دفعته للقيام بعملية التحول الديمقراطي أولاً التي تمثل في هذه الحالة مخرجات النظام . ثم تأثير البيئة نفسها على اعاقة عملية التحول الديقرطي التي قام بها  . وهذا يتضح أكثر من خلال تقسيم الدراسة .

فمدخلات النظام ستترجم في الفصل الثاني في الأبواب المتعلقة بالأسباب المحلية والدولية (المطالب) التي دفعت الحكم للقيام بالتحول الديمقراطي  من أجل الحصول على المساندة Support   اللازمة لخلق شرعية سياسية له تكون كفيلة بالحفاظ على وجوده .كما تترجم في الفصل الرابع من خلال مطالب المعارضة الداخلية بالنسبة الإصلاح وضغوط العامل الإقليمي . لاسيما الثورة الايرانية .ودور ذلك في اعاقة التحول الديمقراطي ودفع قوى مجتمعية أساسية للوقوف مع السلطة السياسة ضد مطالب المعارضة الخاصة بالتحول الديمقراطي .وهو ما كان له الأثر الكبير على تعثر التحول الديمقراطي.أما المخرجات فهي عملية التحول الديمقراطي نفسها التي قام بها النظام استجابة للمدخلات والمطالب. وهي تترجم في الفصل الثاني في أهم مؤشرات التحول الديمقراطي البحريني . كما تشمل تأثيرات النظام البحريني على البيئة المحلية ودوره في اعاقة التحول الديمقراطي . وذلك كما هو مترجم بشكل أساسي في الفصل الثالث ؛ المبحث الأول.ويمكننا أن نعتبر أن هذه المطالب غير المستجاب لها من جانب النظام تشكل عوائق أمام نجاح عملية التحول الديمقراطي ."


انشء في: اثنين 24 ديسمبر 2012 08:18
Category:
مشاركة عبر